تغيير نمط العرض
مفضلاتي
24 يونيو, 2022
كلمة السيد الرئيس المنتدب بمناسبة الافتتاح الرسمي لندوة التمرين بطنجة الجمعة 24 يونيو 2022

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على الهادي المصطفى الأمين

حضرات السيدات والسادة الفضليات والأفاضل؛


قد لا أفشيكم سرا إذا ما قلت بأن عاطفة جياشة، ومحبة صافية ما فتئت تتجدر في الفؤاد وشائِجُها، وتستيقظ في الدواخل مشاعرُها، كلّما هممت بالتواصل مع زملائي المحامين. وأن هذا الإحساس يُصبح أكثر قوة متى تعلق الأمر بالمشاركة في الافتتاح الرسمي لندوة التمرين للبراعم الناشئة لهيأة المحامين.

والراجح أن مبعث هذا الشعور ليس فقط ما نلمسه من حفاوة الاستقبال، وكرم الضيافة وحرارة الإلحاح الأخوي في الحضور من طرف المحامين. ولكن وأساساً لإحساسٍ متنام بالمسؤولية المشتركة تجاه راهن ومستقبل العدالة ببلدنا، الذي نتقاسمه جميعاً. ولذلك فإنني مدين للسيد نقيب هيأة المحامين بطنجة، بتأجيج هذا الشعور في نفسي في هذه الأمسية، والسماح لي بالتواصل مع زملائي أعضاء هيأة الدفاع. ولأجل ذلك أشكر السيد النقيب والسادة النقباء والمحامين المنتمين لهيأة طنجة على دعوتهم الكريمة وعنايتهم الجميلة، وكذلك لأجل تمسكهم بهذا التقليد التليد.

حضرات السيدات والسادة الأفاضل؛

اختارت هيأة المحامين بطنجة شعار : " تأهيل المحامي المتمرن رهان من أجل المستقبل مهني أفضل" لندوة التمرين هذا العام. وهو شعار يختزل كل الآمال والطموحات التي ينبغي أن تتطلع لبلوغها مهنة المحاماة، وجدير بأن يكون هدفا ليس فقط لهيأة واحدة من هيئات المحامين، ولكن لجميع هيئات المحامين بالمغرب. ذلك أن المحاماة، مثل القضاء، باعتبارها مهنة لإقامة العدل، تستدعي أن يكون المنتسب إليها مسلحاً بالمعرفة القانونية، ملماً بالاجتهاد القضائي، ضابطاً للمساطر والإجراءات، وكل ذلك على أعلى مستوى من الجودة والكفاءة. فالمتقاضي يلجأ إلى المحامي للدفاع عن مصالحه لأجل جودة الخدمات .. كما أن تبني القوانين لاحتكار مهنة الدفاع من طرف المحامين، يجد سنده في هذا الأساس كذلك. ولذلك لا يقبل من المحامي، على غرار كل مهني متخصص، ألا يكون على مستوى عالٍ من الكفاءة المهنية.

ولأجل ذلك نعتقد أن اهتمام الدولة والمؤسسات المهنية، وفي مقدمتها هيئات الدفاع، بتكوين المحامين، هو حلقة أساسية في مسلسل إصلاح منظومة العدالة. فجودة أحكام القضاء لا تتم فقط بواسطة دور القاضي، وإنما تتأثر بأداء مختلف المتدخلين من المهنيين المنتمين لمنظومة العدالة. ولاسيما المحامين، الذين يكون لمذكراتهم ومرافعاتهم ودفوعاتهم وتعقيباتهم دور كبير في جودة حكم القضاء. شأنهم في ذلك شأن مهنيين آخرين يؤثر أداؤُهُم في جودة منتوج العدالة، كالخبراء والمفوضين القضائيين وموظفي العدل وغيرهم.

ومن هذا المنطلق نعتقد أن مساهمة الدولة وإشرافَها على تكوين فعاليات العدالة، هو ركن جوهري في مهمة إصلاح منظومة العدالة.

كما نعتقد أن الإصلاح المنشود لابد أن يعتمد على جودة التكوين الأساسي، وعلى فرض التكوين المستمر، وتشجيع التكوين التخصصي لكافة المهنيين الممارسين في مجال العدالة. بالإضافة إلى ضرورة تحديث المنظومة القضائية والإسراع بتنزيل المحكمة الرقمية، ليس فقط عن طريق توفير الوسائل التكنولوجية والبرمجيات الرقمية فقط، وإنما عن طريق تأهيل كافة الموارد البشرية لمنظومة العدالة. ونعتقد أن التأخير في إنجاز هذا المحور قد يُكلف المنظومة خسائر ثقيلة، ويفوت على المواطنين فرصاً حقيقية للاستفادة من خدمات التكنولوجيا الحديثة ومزاياها التي تستعصي عن العدّ.

ومن جهة أخرى، فإننا نعتقد، ولن نمل من ترديد ذلك، أن التخليق هو المدخل الأساسي لإصلاح منظومة العدالة، وأن استنبات شجرة الأخلاقيات في تُربَة المحامي الناشئ، واجبٌ مهني تتقاسمه الهيئات المهنية للمحاماة والمحامين الممارسين والقضاء، والدولة نفسها، حتى تمتد جذور تلك الشجرة، ويشتد عودها، لتقف شامخة، مقاومة للرياح الهوجاء التي تحاول اجتثاثها والزج بها في مهب الانزلاقات الأخلاقية، التي تساعد عليها الظروف المادية الصعبة للمحامين الناشئين في بداية حياتهم المهنية من جهة. وبعض الإغراءات التي تُعرَض عليهم من جهة أخرى، وقلة التجربة لديهم، من جهة ثالثة. ولا حاجة للتذكير أن مهنة المحاماة، مثل مهنة القضاء، لا تقوم لهما قائمة بدون أخلاق. فالأخلاق المهنية وحدها تجعل المحامي يستخدم معارفه وكفاءته لفائدة إقامة العدل، ومساعدة القضاء في إصدار أحكام منصفة. وبطبيعة الحال، فإن العلم والمعرفة بدون أخلاق مؤطّرَة، يُصبحان سلاحاً للتدمير والهدم. وهو أمرلا يستقيم مع نبل المحاماة وشرفها وإرثها المشرّف الأصيل؛ ودورها في مساعدة القضاء والمساهمة في تحقيق العدالة.

ولئن كان تأهيل المحامين والقضاة وغيرهم من الفعاليات المنتمية لمنظومة العدالة يتم عبر التكوين الجيد والمستمر والمتخصص. والاهتمامُ بالأخلاقياتِ المهنيةِ، التي تسعى كافة المهن المحترمة إلى ضبطها عبر مدونات للأخلاق. والتوجهُ نحو عصرنةِ نظام العدالة ورقمنةِ الإجراءات وأساليبِ العمل بين المحاكم والمهنيين، فإن الضمير المهني يظل هو الحارس الأمين على مصداقية مهام العدالة جميعِها. ولا شك أننا نَذْكُرُ جميعاً قول جلالة الملك نصره الله في ذكرى عيد العرش لسنة 2013 بصدد إصلاح القضاء : "مهما تكن أهمية هذا الإصلاح، وما عبأنا له من نصوص تنظيمية، وآليات فعالة، فسيظل «الضمير المسؤول» للفاعلين فيه، هو المحك الحقيقي لإصلاحه، بل وقوام نجاح هذا القطاع برمته".

ولاشك في أن أهم مقومات الإصلاح هذه، وفي مقدمتها الضمير المسؤول، متوفرة لدى الأغلبية الغالبة من القضاة والمحامين، وباقي المنتمين لمهن العدالة. وأن استنهاضها وتشغيلها، رهين بما نقوم به نحن المسؤولون عن هذه المهن، كل من موقعه، وبتعاون وتآزر وتشارك يخدم مصالح العدالة، وتطلعات المواطنين وانتظارات جلالة الملك نصره الله.

كما أننِي وأنا أخاطبكم من مدينة طنجة استذكر محامين كباراً، تميزوا بيقظة الضمير والإخلاص لمقدسات هذا الوطن، وساهموا من مواقع مختلفة في الدفاع عن الحقوق والعدالة ... ومصالح البلد العليا وفي مقدمتها الحق في عدالة عادلة ومنصفة. ولذلك أعي تماماً أن فروعاً صالحة كثيرة نمت وستنمو من أشجار المحاماة الباسقة التي انتمت لهذه المدينة على مر عصور التاريخ، منذ ابن بطوطة إلى اليوم. وهي كثيرة ولله الحمد.

( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ )
(سورة الأنعام الأية 90)
صدق الله العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

العنوان

زنقة الرياض، قطاع 16 حي الرياض، ص.ب 1789 الرباط

الهاتف
  • +212 537 73 95 40/41
  • +212 537 72 13 37
البريد الالكتروني الخاص بالأمانة العامة للمجلس

sg.cspj.maroc@gmail.com

الهاتف الخاص بالشكايات
  • +212 537 73 95 22